محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

342

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وأنت أنت . إلهي وصفت نفسك باللطف والرأفة بي قبل وجود ضعفي أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي . اللطف والرأفة « 1 » وصفان للّه عزّ وجلّ اتّصف بهما في الأزل قبل وجود ضعف العبد وفاقته وحاجته . وهما مقتضيان لوجود آثارهما فيما لا يزال بعد وجود ذات العبد وصفاته . هي إسباغ نعمه عليه ، وإيصال أفضاله إليه فكيف يتصوّر إذ ذاك منعه إيّاهما . إلهي : إن ظهرت المحاسن مني فبفضلك ولك المنة عليّ ، وإن ظهرت المساوىء فبعدلك ولك الحجة عليّ . ظهور المحاسن على العبد وهي أنواع الطاعات والحسنات والصفات المحمودات فضل من اللّه تعالى والمنّة له عليه لعدم استحقاقه لذلك . وظهور المساوىء منه ، وهي : ضروب المعاصي ، والسيئات ، والأوصاف المذمومات عدل من اللّه تعالى ؛ إذ له أن يفعل ما يشاء بعبده والحجة له عليه ، لأنه ربّ وهو عبد . ومناجاة العبد لمولاه بهذا الكلام من أحسن المناجاة ، وهي مقتضية لوجود إسعافه له ، وموالاة ألطافه عليه ؛ لما فيها من الثناء على اللّه تعالى على بساط قربه وذكر صفاته العلية ، والتعلّق بها ، والاعتراف له بالنعم الظاهرة والباطنة ، ولما فيها أيضا من رؤية ضعف النفس ، والإقرار عليها بالنقص والقصور ، وإنزالها منزلتها من الذلّة والمهانة . وقد قال بعضهم : تعلّق شاب بأستار الكعبة وقال : إلهي ، لا لك شريك فيؤتى ، ولا وزير لك فيرشى ، إن أطعتك فبفضلك ولك المنّة عليّ ، وإن عصيتك فبعدلك ولك الحجة عليّ ، فبإثبات حجتك عليّ ، وانقطاع حجتي لديك إلا ما غفرت لي ، فسمع هاتفا يقول : « الفتى عتيق من النار » . إلهي ، كيف تكلني إلى نفسي وقد توكلت عليك ، وكيف أضام وأنت الناصر لي ، أم كيف أخيب وأنت الحفيّ بي . الوكيل ، والناصر ، والحفيّ : أسماء للّه عزّ وجلّ ، وهي مقتضية لوجود آثارها من وجود الكفاية والمنعة ، والظفر بغاية المقصود والبغية ، فكيف يتصوّر انفكاك ذلك عن العبد عند وجود حاجته ، كما تقدّم في اللطف والرأفة .

--> ( 1 ) الرأفة : أرقّ الرحمة . ومن اللّه : دفع السوء .